المقريزي

302

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

يلح في دعائه لذلك ويكرّر سؤاله له ويتوسل إليه بكل طريق ، وهو يتعذّر له عن عدم قبوله بأنه قد شاخ وكبرت سنّه وعجز عن القيام بأعباء الأحكام . فلما أعيا الأمير أمره انصرف عنه ، وولّى الشيخ بهاء الدين أبا البقاء محمد في ثالث عشري جمادى الآخرة سنة ست وستين ، وأبقى بيد عزّ الدين تدريس الزّاوية وتدريس الجامع الطّولوني ونظره ، وتدريس الجامع الأقمر ، ورتّب على بيت المال في كل شهر ألف درهم ، وخلع عليه في سادس عشر منه ، وتجهز إلى السّفر مع الرّجبية ، فجاور بمكة ، وتوجه منها إلى المدينة النّبوية في جمادى الأولى سنة سبع وستين ، وعاد إلى مكة فأقام بها ثلاثة أيام ، ومرض عشرة أيام ، ومات يوم الاثنين عاشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وسبع مائة ، ودفن بالمعلاة . وكان مع عفّته وتنسّكه جميل المحاضرة ، كثير الأدب ، محبّا في الحديث النبوي وأهله وسماعه وإسماعه معتنيا به حتى أنه قرأ في بدايته بنفسه ، وسمع شيئا كثيرا ، وكتب الطّباق ، وعمرت أوقاته طول عمره بذلك . وكان نافذ الكلمة ، وجيها عند الملوك ، معظما في الدّول بحيث نال من مزيد السّعد في القضاء ، وحسن الشّهرة وطول المدّة ، وكثرة السّكون ما لم ينله قاض في هذه الدولة سواه ، إلا أنه كان مع نائبه التّاج المناوي بمنزلة المحجور له ، فلا يبرم أمرا إلا برأيه ومشورته . وكان مع اقتصاده في مأكله وملبسه وسائر أحواله قليل البذل في العطاء لطلبة العلم حتى حملهم إمساكه عنهم على خدمة أهل الدّولة من الأمراء والخاصكية ، ليصلوا بخدمتهم إلى أغراضهم ، فصار الفقيه بعد ما كان التّركي إذا رآه قبّل يده تبركا به وإجلالا له إلى أن صار هو يقبّل يد التّركي ، فلا يرفع به رأسا . وكان شديدا فيما يصل إليه من أمور القضاء والحكم متثبتا في ذلك مع الانجماع والإعراض عن ما لا يناط به . وتضرّر غير مرة من حدّة خلقه واستعجاله في جوابه عما يسأل عنه . وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان دائما ولم تعرف له زلّة ولا